محمد أبو زهرة

2815

زهرة التفاسير

وأنه يكون من بعده الجزاء ، فمن اهتدى فله الثواب ، ومن ضل نزل به العقاب ، ولذا قال تعالى : فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ( 30 ) . يبين اللّه - سبحانه وتعالى - أن الناس عند عودتهم إلى فريقان : فريق هداه اللّه تعالى في الدنيا وفريق كان من أولياء الشياطين ، وحق عليه الضلالة . و فَرِيقاً هَدى حال من ( تَعُودُونَ ) في الآية ، أي يعودون فريقا هداه اللّه تعالى ، وفريقا حقت أي ثبتت عليه الضلالة ، والفريق الذي هداه اللّه قد اتخذ الطريق المستقيم سبيلا ، ولم يتخذ طريقا عوجا ، فإنه يضل ، والفريق الذي ثبتت وتقررت عليه الضلالة ، هو الذي اتخذ الشياطين أولياء له يودهم ويحبهم ؛ لأنه اتجه إلى المعاصي يشتار عسلها ، وجعل قلبه موطنا للشيطان يسكنه ، ويغويه ليحقق قسمه للّه تعالى بقوله : . . . لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 82 ) [ ص ] . ولقد بين النبي صلى اللّه عليه وسلم في أحاديث عدة أن الناس يولدون على الفطرة ، والفطرة التي فطر اللّه الناس عليها مستقيمة دائما لا تخرج عن سنن الحق بمقتضى العهد الفطري الذي أخذه على بني آدم من ظهورهم وذريتهم ، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ، وإن الشياطين هي التي تحولهم عن الفطرة إلى الضلالة ، ولقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه ، أو يمجّسانه » « 1 » ، وروى مسلم في حديث قدسي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إني خلقت عبادي حنفاء وإنهم أتتهم الشياطين ، فاجتالتهم عن دينهم » « 2 » ، فاللّه سبحانه خلق الخلق ، وهم يدركون بفطرهم أن لهذا الكون خالقا ، وأنه وحده الذي انفرد بالخلق والتكوين ، وذلك بمقتضى الميثاق الذي أخذ عليهم بمقتضى الفطرة والغريزة ، كما أشرنا .

--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) جزء من حديث رواه مسلم : ( 5109 ) من حديث عياض المجاشعي رضى اللّه عنه . ورواه أحمد ( 17030 ) بلفظ ( فأضلتهم عن دينهم ) .